قلنا لا نسلم هذا بل معنى قوله افعل استدعاء الفعل ومعنى قوله أريد منك أن تفعل إخباره عما يريده ولهذا يدخل الصدق والكذب في أحدهما دون الآخر ولأن قوله أريد يسمى مسألة وطلبا وقوله افعل يسمى أمرا فافترقا
مسألة 4
المندوب إليه غير مأمور به في أحد الوجهين ومأمور به في الوجه الثاني
فوجه الأول ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لبريرة كنت لو راجعته فإنه أبو ولدك قالت يأمرك يا رسول الله فقال لا إنما أنا شفيع وإجابة النبي صلى الله عليه وسلم فيما يشفع فيه مندوب إليه فلو كان المندوب مأمورا به لما امتنع من كونه أمرا
وأيضا فإنه لو كان المندوب إليه مأمورا به لحسن أن يقال لكل من ترك مستحبا من إماطة الأذى عن الطريق وصلاة التطوع وصوم التطوع عصيت الله
تعالى وخالفت أمره كما يحسن أن يقال ذلك لكل من ترك الواجب
ولما لم يجز أن يقال هذا دل على أنه غير مأمور به
واحتج من قال بالوجه الثاني بأنه طاعة فكان مأمورا به كالواجب
والجواب أن الواجب لم يكن مأمورا به لكونه طاعة وإنما صار مأمورا به لأنه يجب فعله ويعصى بتركه وفي مسألتنا لا يجب فعله ولا يعصى بتركه فافترقا
قالوا ولأن الواجب ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه والندب ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه فإذا حمل على الندب فقد حمل على بعض ما يشتمل عليه الواجب فكان حقيقة فيه كما لو حملوا العموم على بعض ما يتناوله
قلنا لا نسلم أن معنى الواجب ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه وإنما الواجب ما يعاقب على تركه ويدخل الثواب على فعله على وجه التبع وهو أنه لما امتثل الأمر صار مثابا عليه ويخالف العموم فإن لفظه يتناول الجنس كله فإذا خرج بعضه بالدليل بقي اللفظ متناولا للباقي فكان حقيقة فيه
مسألة 5
إذا ورد الأمر بعد الحظر متجردا على القرائن اقتضى الوجوب
ومن أصحابنا من قال يقتضي الإباحة وهو ظاهر قول الشافعي
لنا قوله تعالى {فليحذر الذين يخالفون عن أمره} ولم يفصل بين أن يتقدمه حظر أو لا يتقدمه حظر
ويدل عليه هو أن الأمر ورد متجردا عن القرائن فاقتضى الوجوب كما لو لم يتقدمه حظر
فإن قيل لا نسلم أنه ورد متجردا عن القرائن بل تقدم الحظر عليه قرينة تصرف اللفظ عن ظاهره وذلك أن الظاهر أنه يرفع ما تقدم من الحظر
والجواب أن القرينة ما يبين معنى اللفظ ويفسره وذلك إنما يكون بما يوافق اللفظ ويماثله فأما ما يخالفه ويضاده فلا يجوز أن يكون بيانا له فلا يجوز أن يجعل قرينة
وأيضا أنه لا خلاف أن النهي بعد الأمر يقتضي الحظر فكذلك الأمر بعد النهي وجب أن يقتضي الوجوب
ولأن كل واحد من اللفظين مستقل بنفسه فلا يتغير معه مقتضى الثاني بتقدم الأول كما لو قال حرمت عليك كذا ثم قال أوجبت عليك كذا ولا يلزم قولهم فلان بحر حيث حملنا البحر على وصف الرجل دون الماء الكثير لأن البحر غير مستقل بنفسه فاعتبر حكمه بنفسه ألا ترى أنه لو لم يصله بما قبله لم يفد فجعل وصفا لما قبله وههنا الكلام مستقل بنفسه فاعتبر حكمه بنفسه
واحتجوا بأن الظاهر من هذا الأمر أنه قصد به رفع الجناح فيما حظر عليه
يدل عليه أن السيد إذا منع عبده من فعل شيء ثم قال له افعله كان المعقول من هذا الخطاب إسقاط التحريم دون غيره فكذلك ههنا
الجواب أنا لا نسلم ما ذكروه بل الظاهر أنه قصد الإيجاب لأن اللفظ موضوع للإيجاب والمقاصد تعلم بالألفاظ