مسألة 5
يصح الاحتجاج بعموم اللفظ وإن اقترن بذكر المدح أو الذم كقوله تعالى {والذين هم لفروجهم حافظون} وقوله {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم}
وقال بعض أصحابنا إذا قرن بذكر المدح أو الذم صار مجملا فلا يحتج بعمومه
لنا هو أن صيغة العموم قد وجدت متجردة عن دلالة التخصيص فأشبه إذا تجردت عن ذكر المدح أو الذم
ولأن اقتران المدح به لا ينافي القصد إلى بيان الحكم فلم يمنع التعلق بعمومه كاقتران حكم آخر به
ولأن اقتران المدح به يؤكد حكم الإباحة واقتران الذم يؤكد حكم التحريم فهو بجواز الاحتجاج به أولى
ولأنه لو كان اقتران ذكر المدح به يمنع من حملها على العموم لكان اقتران ذكر العقاب به يمنع من ذلك وهذا يؤدي إلى إبطال التعلق بآية السرقة والربا وغيرهما من العمومات
واحتجوا بأن القصد من هذه الآيات المدح والذم على الفعل دون بيان ما يتعلق به الحكم من الشرائط والأوصاف فلا يجوز التعلق بعمومها فيما يستباح وفيما تجب فيه الزكاة كما قلنا في قوله تعالى {وآتوا حقه يوم حصاده} لما كان القصد بهذا بيان إيجاب حق من الزرع لم يجز الاحتجاج بعمومه بالمقدار والجنس
والجواب هو أن لا نسلم أن القصد بها هو المدح دون الحكم بل القصد بها بيان الجميع لأن المقاصد إنما تعلم بالألفاظ وقد وجدنا اللفظ فيهما والظاهر أنه قصدهما
ولأنه لو جاز أن يقال أن ذكر المدح يمنع من كون الحكم مقصودا جاز أن يقلب ذلك عليهم فيقال أن ذكر الحكم يمنع كون المدح مقصودا وهذا باطل بالإجماع فبطل ما قالوه
مسألة 6
الوضوء والصلاة والزكاة والصيام والحج أسماء منقولة من اللغة إلى معان وأحكام شرعية إذا أطلقت حملت على تلك الأحكام والمعاني
ومن أصحابنا من قال إنه لم ينقل شيء من ذلك عما وضع له اللفظ في اللغة وإنما ورد الشرع بشرائط وأحكام مضافة إلى ما وضع له اللفظ في اللغة وهو قول الأشعرية
لنا هو أن هذه الأسماء إذا أطلقت لم يعقل منها إلا هذه العبادات في الشرع ولهذا يقال أحرم فلان بالصلاة إذا كبر وأحرم بالحج إذا نوى الحج وإن لم يأت بشيء مما وضع له الاسم في اللغة
ويدل عليه هو أنه لو كانت الصلاة عبارة عما وضع له اللفظ في اللغة من الدعاء لوجب إذا عرى عن ذلك أن لا تسمى صلاة ولما أجمعنا على تسمية صلاة الأخرس صلاة وإن لم يأت فيها بشيء من الدعاء دل على أنه اسم منقول
ويدل عليه هو أن الزكاة في اللغة هي الزيادة والنماء ولهذا يقول العرب إذا كثرت المؤتفكات زكى الزرع أي إذا كثرت الرياح زاد الزرع ثم جعل في الشرع اسما لإخراج جزء من المال وذلك في الحقيقة نقصان وليس بزيادة فدل على أنه منقول
وأيضا هو أنه لما حدث في الشرع عبادات وهيئات وأفعال ولم يكن لها اسم في اللغة دعت الحاجة إلى أن يوضع لها اسم في الشرع يعرف بها كما وضع أهل الصنائع لكل ما استحدثوه من الأدوات اسما يعرفونها به عند الحاجة إلى ذكرها
واحتجوا بقوله تعالى {إنا جعلناه قرآنا عربيا} وبقوله سبحانه {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} والصلاة بلسان العرب هي الدعاء والصوم هو الإمساك والحج هو القصد فإذا ورد الشرع وجب أن تحمل على ما يقتضيه لسان العرب
والجواب هو أن هذه الآيات تقتضي أنه خاطبها بلسان العرب ونحن نقول بذلك لأن هذه الأسماء كلها عربية والخطاب بها خطاب بلغة العرب وليس إذا استعمل ذلك في غير ما وضعته العرب يخرج عن أن يكون خطابا بلسان العرب ألا ترى أن الحمار قد استعمل في غير ما وضعه العرب وهو الرجل البليد والبحر في