مسألة 4
العموم إذا دخله التخصيص لم يصر مجملا ويصح الاحتجاج به فيما بقي من اللفظ وبه قال بعض أصحاب أبي حنيفة وهو قول المعتزلة
وقال عيسى بن أبان إذا دخله التخصيص صار مجملا فلا يجوز التعلق بظاهره وحكى ذلك عن أبي ثور
وقال أبو الحسن الكرخي إذا خص بالاستثناء أو بكلام متصل
صح التعلق به وإن خص بدليل منفصل لم يصح التعلق به وقال أبو عبد الله البصري إن كان الحكم الذي يتناوله العموم يحتاج إلى شرائط وأوصاف لا ينبىء اللفظ عنها كقوله تعالى {والسارق والسارقة} صار مجملا وجرى في الحاجة إلى البيان مجرى قوله تعالى {وأقيموا الصلاة} فلا يحتج به إلا بدليل
لنا أن فاطمة رضي الله عنها احتجت على أبي بكر الصديق رضي الله عنه بقوله تعالى {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} ولم ينكر أبو بكر ولا أحد من الصحابة احتجاجها بالآية وإن كان قد دخلها التخصيص في الرقيق والكافر والقاتل
ولأنه لو كان دخول التخصيص في اللفظ يمنع الاحتجاج به لوجب التوقف في
كل ما يرد من ألفاظ العموم لأنه ما من خطاب إلا وقد اعتبر في إثبات حكمه صفات في المخاطب من تكليف وإيمان وغير ذلك فيؤدي ذلك إلى قول أهل الوقف وقد أجمعنا على بطلان قول أهل الوقف
فإن قيل أنتم أيضا توقفتم في العموم على تعرف ما يوجب تخصيصه ولم يصر ذلك في معنى قول أهل الوقف
قلنا نحن نتوقف في الخطاب إلى غاية وهو إلى أن ينظر في الأصول فإذا لم نجد ما يخصصه حملناه على العموم وأنتم تتوقفون في كل ما يرد من العموم فلا تعملون به إلا بأدلة فصار ذلك كقول أهل الوقف
وأما الدليل على البصري فهو أن المجمل ما لا يعقل المراد من لفظه وما يراد بآية السرقة معقول من ظاهر اللفظ فصار بمنزلة قوله {فاقتلوا المشركين}
ولأن هذا الخطاب لو حملناه على ظاهره لم نخطىء إلا في ضم ما لم يرد على ما أريد فإذا بين ما لم يرد بقي على ظاهره في الباقي فوجب المصير إليه والعمل به كما تقول في سائر العمومات
واحتجوا بأن هذا مبني على أصلنا وهو أن العموم إذا خص صار مجازا وقد دللنا عليه في موضعه فإذا ثبت هذا لم يكن حمله على بعض الوجوه بأولى من البعض فوجب أن يفتقر إلى البيان
والجواب أنا لا نسلم هذا الأصل وقد بينا الكلام عليه في موضعه فأغنى عن الإعادة
قالوا ولأنه إذا دخله التخصيص لم يوجب حكمه فبطل الاحتجاج به كما قلتم في العلل
والجواب هو أنه لو كان هذا دليلا علينا فهو دليل عليكم فإن تخصيص العلل لا يمنع الاحتجاج بها عندهم فيجب أن يكون تخصيص العموم لا يمنع من الاحتجاج به
وعلى أن عندنا إنما لم يجز الاحتجاج بما خص من العلل لأنها تظهر من جهة المستدل ولا يعلم صحتها إلا بدليل ولا شيء يدل عليه إلا السلامة والجريان وليس كذلك العموم فإنه يظهر من جهة صاحب الشرع فلا يحتاج في صحته إلى دليل فافترقا
قالوا ولأنه إذا دخل التخصيص صار كأنه أورد لفظ العموم ثم قال أردت به بعض ما يتناوله وما هذا سبيله لا يحتج به فيما أريد به كما تقول في قوله تعالى {إن بعض الظن إثم} فإنه لا يعلم من لفظه ما فيه إثم إلا بدليل
قلنا إنما لم يعلم المراد من الآية التي ذكروها لأنه علق ذلك على بعض مجهول فاحتيج في معرفته إلى دليل آخر وفي مسألتنا علق الحكم على لفظ يعلم منه الجنس فإذا تبين ما ليس بمراد بقي الباقي على ظاهره