مسألة 6
يجوز ابتداء الأحكام بالقياس وإن لم يكن عليها نقل في الجملة
وقال أبو هاشم لا يجوز أن يثبت بالقياس إلا ما نص عليه بالجملة ثم يثبت تفصيله بالقياس
لنا قول معاذ بن جبل للنبي صلى الله عليه وسلم أجتهد رأيي ولم يفصل بين إثبات الجملة وبين إثبات التفصيل
ولأن الصحابة رضي الله عنهم ابتدؤوا الحكم في قولهم أنت حرام بالقياس وإن لم يكن منصوصا عليه في الجملة ولأن كل حكم جاز إثباته بخبر الواحد جاز إثباته بالقياس كالحكم في التفصيل
واحتجوا بأنه لو كان إثبات الجمل بالقياس لجاز إثبات صلاة سادسة بالقياس فلما لم يجز ذلك بالإجماع دل على أنه لا يجوز إثبات الجمل بالقياس
والجواب أن القياس فيما ذكروه إنما لم يصح لأنه يخالف النص والإجماع وليس إذا لم يصح القياس عند مخالفة النص والإجماع لم يصح مع عدم مخالفتهما
ألا ترى أن القياس في أحكام التفصيل إذا خالف النص والإجماع لم يصح ثم لا يدل على أنه لا يصح مع عدم المخالفة فكذلك هاهنا
مسألة 7
يجوز إثبات الأسامي بالقياس في قول كثير من أصحابنا
ومنهم من قال لا يجوز وهو مذهب أبي حنيفة وكثير من المتكلمين
لنا أنا رأينا العرب قد سموا أعيانا بأسامي كالإنسان والفرس والحمار وغير ذلك ثم انقرضوا وانقرضت تلك الأعيان واتفقت الناس على تسمية أمثالها بتلك الأسماء فدل على أنهم قاسوا على المسموع
فإن قيل ليس هذا من جهة القياس وإنما هو من جهة الوضع فإنهم وضعوا هذه الأسماء لهذه الأجناس
قلنا لم يحفظ عنهم أنهم قالوا إن هذه الأسماء لهذه الأجناس ولا سبيل لأحد إلى نقل ذلك عنهم فسقط ما قالوه
وأيضا هو أن أهل النحو أجمعوا على أن كل فاعل مرفوع وكل مفعول به منصوب ولم يسمع ذلك من العرب وإنما عرف ذلك بالقياس والاستدلال وذلك أنهم لما استمروا في كل فاعل ذكروه على الرفع وفي كل مفعول على النصب علم أنهم إنما رفعوا في موضع الرفع لكونه فاعلا ونصبوا في موضع النصب لكونه مفعولا فحملوا عليه كل فاعل وكل مفعول قياسا فهكذا فعلوا في جميع وجوه الإعراب فدل على ما ذكرناه
ولأن الطريق الذي يعلم به الحكم من جهة القياس هو أن ينظر القائس فيما تعلق به الحكم من النصوص ويستدل عليه بالسلب والوجود ثم يجد ذلك في غيره فيحمل عليه وهذا موجود في الاسم فإنا إذا رأينا عصير العنب قبل الشدة لا نسميه خمرا ثم تحدث الشدة فيسمى خمرا ثم تزول الشدة فلا يسمى خمرا علمنا أن الموجب لهذه التسمية وجود الشدة المطربة وهذا المعنى موجود في النبيذ فيجب أن يسمى خمرا
واحتجوا بقوله تعالى {وعلم آدم الأسماء كلها} وقيل في الخبر أنه علمه حتى القصعة والقصيعة فدل على أن الرجوع في الأسماء إلى التوقيف
قلنا ليس فيه أنه علمه كلها بالنص ويجوز أن يكون قد علمه البعض بالنص والبعض بالتنبيه والقياس
وعلى أن هذا خاص لآدم عليه السلام ويجوز أن يكون قد علمه ذلك كله نصا ونحن نعرفه قياسا
قالوا ولأنه ما من شيء إلا وله اسم في اللغة فلا يجوز أن يثبت له اسم آخر
بالقياس كما إذا ثبت للشيء حكم بالنص لا يجوز أن يثبت له حكم آخر بالقياس
قلنا الأحكام تتنافى فإذا ثبت للشيء حكم لم يجز أن يثبت له حكم آخر يخالفه والأسماء لا تتنافى فيكون للشيء اسم ويجعل له اسم آخر يدلك عليه أنه يجوز أن يكون للشيء الواحد اسمان وثلاثة وأكثر من طريق التوقيف ولا يجوز أن يكون للشيء الواحد حكمان متضادان من طريق النص فافترقا