ولأنه لو كان لا يظهره للهيبة لأظهره بعد ذلك كما أظهر ابن عباس رضي الله عنه
ولا يجوز أن يكون لاعتقاده أن كل مجتهد مصيب لأنه لم يكن في الصحابة من يذهب إلى هذا بل كان مذهبهم أن الحق في واحد ولهذا خطأ بعضهم بعضا
ولأن العادة مع هذا الاعتقاد إظهار الخلاف فدل على بطلان ما قالوه
واحتج أبو علي بن أبي هريرة بأنه إذا كان ذلك قضاء من حاكم لم يدل السكوت على الرضا لأن في الإنكار افتياتا عليه
ولأنا نحضر مجالس الحكام فنراهم يقضون بخلاف مذاهبنا فلا ننكره ولا يدل ذلك على الرضا
والجواب هو أن العادة قد جرت عند الحكام إظهار الخلاف والذي يدل عليه أن الصحابة قد كان يحضر بعضهم بعضا عند الحكم فينكر ما يحكم إذا كان مخالفا لما يعتقده
وأما سكوتنا عن إظهار الخلاف عند الحاكم فلأن الخلاف قد ظهر وعرف فلا يعاد اكتفاء بما تقدم ولهذا نحضر مجالس الفقهاء أيضا فنراهم يفتون بمذاهبهم فلا ننكر ولا يدل ذلك على أن السكوت عند الفتيا يدل على الرضا ولكنا نسكت عن الخلاف اكتفاء بما عرف من الخلاف المتقدم وأما عند نزول النوازل فلا بد من إظهار الخلاف من طريق العادة فبطل ما قالوه
مسألة 14
إذا قال الصحابي قولا ولم ينتشر لم يكن ذلك حجة ويقدم القياس عليه في قوله الجديد
وقال في القديم هو حجة يقدم على القياس ويخص العموم به وهو قول مالك وأحمد وإسحق وهو مذهب أبي علي الجبائي
لنا أنه قول ممن يقر على الخطأ فلا يجوز ترك القياس له
دليله قوله التابعي
ولأن التابعي والصحابي متساويان في آلة الاجتهاد وجواز الخطأ على كل واحد منهما فلا يجوز لأحدهما ترك اجتهاده لقول الآخر كالصحابيين والتابعيين
ولأن القياس دليل على الحكم من جهة الشرع فكان مقدما على قول الصحابي دليله الكتاب والسنة
ولأن ما قضى به على عموم القرآن كان مقدما على قول الصحابي
دليله خبر الواحد
ولأنه قياس فقدم على قول الصحابي كالقياس الجلي
ولأنه لو كان قوله يقدم على القياس لوجب إذا عارضه خبر أن يتعارضا أو ينسخ أحدهما بالآخر كما يفعل في نصين متعارضين
واحتجوا بقوله تعالى {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} فإذا كان ما يأمرون به معروفا وجب المصير إليه
قلنا هذا أخبار عن جماعتهم وما تأمر به الجماعة عندنا يجب قبوله وإنما الخلاف فيما انفرد به الواحد منهم
واحتجوا بقوله عليه السلام أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم وقوله عليه السلام اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر
والجواب أنا نشاركهم في الاستدلال بهذا لأن الاقتداء بهم أن نعمل بمقتضى الاجتهاد ونفزع في الحوادث إلى القياس كما فعلوا وهذا يمنع من التقليد
ولأن هذا خطاب للعامة لأن العلماء في زمن النبي عليه السلام أصحابه ولا يجوز أن يأمر أصحابه بتقليد غيرهم فيجب أن يكون ذلك أمرا للعامة بتقليدهم
واحتجوا أيضا بأن الصحابي إن كان قد أفتى عن توقيف كان حجة
وإن كان عن اجتهاد فاجتهاده أولى لأنه شاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمع كلامه فكان أعرف بمعانيه وما قصده فكان بمنزلة العالم مع العامي
قلنا أما دعوى التوقيف فلا تجوز من غير دليل بل الظاهر أنه أفتى من غير توقيف لأنه لو كان عن توقيف لرواه في هذه الحالة أو في غيرها من الأحوال
وأما دعوى قوة الاجتهاد فلا تصح لأنه يجوز أن يسمع من النبي عليه السلام ويكون غيره أعلم بمعانيه وقصده ولهذا قال عليه السلام نضر الله أمرأ سمع مقالتي فوعاها وأداها كما سمع فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه