مسألة 10
إذا أدرك التابعي عصر الصحابة وهو من أهل الاجتهاد اعتبر رضاه في صحة الإجماع
ومن أصحابنا من قال لا اعتبار به ولا يعتد بخلافه معهم
لنا قوله تعالى {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} ولم يأمرنا بالرجوع إلى أقاويل الصحابة
ولأنه من أهل الاجتهاد وقت الحادثة فاعتبر رضاه في صحة الإجماع كأصاغر الصحابة رضي الله عنهم
ولأن الاعتبار بالعلم لا بالصحبة بدليل أن من ليس من أهل العلم لم يعتبر قوله في صحة الإجماع ولهذا قال عليه السلام نضر الله أمرا سمع مقالتي فوعاها ثم أداها كما سمع فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه
منه وإن كان الاعتبار بالعلم وجب أن يعتد بخلاف التابعي ووفاته لأنه عالم
واحتجوا بأن عليا عليه السلام نقض الحكم على شريح حين قضى بين ابني عم أحدهما أخ لأم وجعل المال كله لابن العم الذي هو أخ لأم
ولأن عائشة رضي الله عنها أنكرت على أبي سلمة حين خالف ابن عباس في عدة المتوفى عنها زوجها وقالت مثلك مثل الفروج يسمع الديكة تصيح فصاح لصياحها
والجواب أن حديث علي عليه السلام حجة عليهم فإنه ولاه القضاء ورضي به في الاجتهاد فدل على أنه من أهله
وأما نقض الحكم عليه فيجوز أن يكون لأنه انعقد عليه إجماع قبل أن يصير شريح من أهل الاجتهاد فلا يعتد بقوله فيه ولهذا لا يخرج عن كونه مساويا لهم في الاجتهاد فيما يحدث من الحوادث
وأما عائشة فقد خالفها أبو هريرة فإنه روي أنه قال في هذه القضية قولي فيها مثل قول ابن أخي ابي سلمة فأقره على الخلاف
وعلى أنه ليس في قولها ما يدل على أنه لا يعتد بخلافه ويجوز أن يكون قد رفع صوته على ابن عباس وادعى منزلته وطلب مساواته فأنكرت عائشة عليه ذلك
واحتجوا أيضا بأن الصحابة أعلم بالأحكام من التابعين فإنهم شاهدوا الوحي والتنزيل وعرفوا المقاصد والأغراض فكانوا مع التابعين بمنزلة العلماء مع العامة
والجواب هو أنا لا نسلم أنهم أعلم بالأحكام والدليل عليه أن أنسا كان يحيل بالمسائل على الحسن البصري
وابن عمر كان يحيل بالمسائل على ابن المسيب
وروي عن ابن عمر أنه قال في سعيد هو والله أحد المفتين
ولهذا قال النبي عليه السلام رحم الله امرأ سمع مقالتي فوعاها ثم أداها كما سمع فرب حامل فقه غير فقيه الخبر
وما ذكروه من الترجيح لا يمنع من مساواة التابعين لهم في الاجتهاد
ألا ترى أن من طالت صحبته من أكابر الصحابة وعلمائها لهم من المزية بطول الصحبة وقوة الآنسة بكرم النبي عليه السلام ما ليس لصغارها ومتأخريها ثم الجميع في الاجتهاد واحد فبطل ما قالوه
ولأن هذا الترجيح إنما كان يصح أن لو كانت الأحكام كلها مأخوذة من المسموع من رسول الله عليه السلام فأما إذا كان فيها ما يؤخذ من الكتاب وما يؤخذ من الأصول وما يؤخذ من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن لمن شهد النبي صلى الله عليه وسلم مزية على غيره