[التبصرة في أصول الفقه]
المؤلف: أبو اسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي (المتوفى: 476ه)
المحقق: د. محمد حسن هيتو
الناشر: دار الفكر - دمشق
الطبعة: الأولى، 1403
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
[مسائل الأمر والنهي]
مسألة 1
الأمر استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه
وقالت المعتزلة هو إرادة الفعل بالقول ممن هو دونه
لنا هو أن الله تعالى أمر إبراهيم عليه السلام بذبح ابنه إسمعيل ولهذا قال في الحكاية عن إسمعيل {يا أبت افعل ما تؤمر} ولم يرد منه ذلك لأنه لو أراد منه ذلك لوقع منه على أصلهم لأنه لا يجوز أن يريد أمرا ولا يوجد ولما جاز أن ينهاه على أصلهم لأن الأمر بالشيء يدل على حسن المأمور به ولا يجوز أن ينهاه عن الحسن
فإن قيل الذي أمر به مقدمات الذبح من الاضجاع وتله للجبين وقد فعل ذلك
قلنا هذا خلاف الظاهر الذي في القرآن {إني أرى في المنام أني أذبحك}
ولأنه لو كان المأمور به هو المقدمات لم يكن في ذلك بلاء مبين ولا احتاج
فيه إلى صبر وقد قال عز وجل {إن هذا لهو البلاء المبين} وقال {ستجدني إن شاء الله من الصابرين} فدل على أن الأمر تناول جميع ذلك
ولأنه لو كان المأمور به مقدمات الذبح لما احتاج فيه إلى الفداء لأنه قد فعل ذلك وقد قال الله تعالى {وفديناه بذبح عظيم} فبطل ما قالوه
فإن قيل فقد فعل الذبح ولكن كلما قطع جزءا التحم
قلنا لو كان هذا صحيحا لكان قد ذكره الله سبحانه وأخبر عنه لأن ذلك من المعجزات والآيات الباهرة الظاهرة
ولأنه لو كان كما ذكروه لكان لا يفتقر إلى الفداء لأنه قد امتثل الأمر
وأيضا فإن السيد من العرب إذا قال لعبده افعل كذا سموا ذلك أمرا وإن لم يعلم مراده ولو كان شرط الأمر الإرادة لما أطلقوا عليه هذا الاسم قبل أن تعلم إرادته
وأيضا أنه لو كان الأمر يقتضي الإرادة لما حسن أن يقول الرجل لعبده أمرتك بكذا ولم أرده كما لا يجوز أن يقول أردت منك كذا ولم أرده ولما جاز أن يقول أمرتك بكذا ولم أرده ولم يعد متناقضا دل على أن الأمر لا يقتضي الإرادة
ولأنه لو كان الأمر يقتضي الإرادة لوجب أن لا يكون أمرا لا مريدا ولما رأينا من يأمر وليس بمريد وهو المكره دل على أنه لا يقتضي الإرادة
واحتجوا بأن هذه الصفة ترد والمراد بها الأمر كقوله تعالى {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة}
وترد والمراد بها التهديد كقوله تعالى {اعملوا ما شئتم}
وترد والمراد بها التكوين كقوله تعالى {كونوا قردة خاسئين}
وترد والمراد بها التعجيز كقوله تعالى {فأتوا بسورة من مثله}
وإنما ينفصل الأمر بها عما ليس بأمر بالإرادة فدل على أن الإرادة شرط في كون الصيغة أمرا
الجواب أنا لا نسلم أن الأمر يميز عما ليس بأمر بالإرادة وإنما يتميز بالاستدعاء فقوله تعالى {وأقيموا الصلاة} استدعاء فكان أمرا وسائر الصيغ الأخر لم تكن استدعاء فلم تكن أمرا وإذا جاز أن يكون الأمر يتميز بما ذكرناه بطل احتجاجهم
قالوا لو لم يكن من شرطه الإرادة لوجب أن يصح الأمر من البهيمة ولما لم يصح منها دل على أنه إنما لم يصح لعدم الإرادة
قلنا لا نسلم هذا بل أيضا إنما لم يصح لعدم القول ومن شرط الأمر
الاستدعاء بالقول ممن هو دونه ولهذا نقول إن المجنون إذا قال لمن هو دونه افعل كذا كان ذلك أمرا وإن لم تكن له إرادة