إذا زجرت لجوجا زدته علقا ... ولجت النفس منه في تماديها
فعد عليه إذا ما نفسه جنحت ... باللين منك فإن اللين يثنيها
فإذا استصعب عليه قياد نفسه ودام منه نفور قلبه مع سياستها، ومعاناة رياضتها، تركها ترك راحة، ثم عاودها بعد الاستراحة، فإن إجابتها تسرع، وطاعتها ترجع. وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن القلب يموت ويحيى ولو بعد حين» .
وقال ابن مسعود: للقلوب شهوة وإقبال وفترة وإدبار فأتوها من قبل شهوتها ولا تأتوها من قبل فترتها.
وقال الشاعر:
وما سمي الإنسان إلا لأنسه ... ولا القلب إلا أنه يتقلب
فأما الشروط التي يتوفر بها علم الطالب وينتهي معها كمال الراغب مع ما يلاحظ به من التوفيق ويمد به من المعونة فتسعة شروط: أحدها: العقل
الذي يدرك به حقائق الأمور. والثاني: الفطنة التي يتصور بها غوامض العلوم. والثالث: الذكاء الذي يستقر به حفظ ما تصوره وفهم ما علمه. والرابع: الشهوة التي يدوم بها الطلب ولا يسرع إليه الملل.
والخامس: الاكتفاء بمادة تغنيه عن كلف الطلب. والسادس: الفراغ الذي يكون معه التوفر ويحصل به الاستكثار. والسابع: عدم القواطع المذهلة من هموم، وأمراض. والثامن: طول العمر واتساع المدة؛ لينتهي بالاستكثار إلى مراتب الكمال. والتاسع: الظفر بعالم سمح بعلمه متأن في تعليمه.
فإذا استكمل هذه الشروط التسعة فهو أسعد طالب، وأنجح متعلم. وقد قال الإسكندر: يحتاج طالب العلم إلى أربع: مدة وجدة وقريحة وشهوة. وتمامها في الخامسة معلم ناصح.
[فصل في أدب المتعلم]
أدب المتعلم فصل: وسأذكر طرفا مما يتأدب به المتعلم ويكون عليه العالم. اعلم أن للمتعلم تملقا وتذللا فإن استعملهما غنم، وإن تركهما حرم؛ لأن التملق للعالم يظهر مكنون عمله، والتذلل له سبب لإدامة صبره. وبإظهار مكنونه تكون الفائدة وباستدامة صبره يكون الإكثار. وقد روى معاذ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ليس من أخلاق المؤمن الملق إلا في طلب العلم» .
وقال عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما -: ذللت طالبا فعززت مطلوبا. وقال بعض الحكماء: من لم يحتمل ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبدا. وقال بعض حكماء الفرس؛ إذا قعدت، وأنت صغير حيث تحب قعدت، وأنت كبير حيث لا تحب. ثم ليعرف له فضل علمه وليشكر له جميل فعله فقد روت عائشة - رضي الله عنها - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من وقر عالما فقد وقر ربه» . وقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: لا يعرف فضل أهل العلم إلا أهل الفضل.
وقال بعض الشعراء:
إن المعلم والطبيب كلاهما ... لا ينصحان إذا هما لم يكرما
فاصبر لدائك إن أهنت طبيبه ... واصبر لجهلك إن جفوت معلما
ولا يمنعه من ذلك علو منزلته إن كانت له، وإن كان العالم خاملا؛ فإن العلماء بعلمهم قد استحقوا التعظيم لا بالقدرة والمال.
وأنشدني بعض أهل الأدب لأبي بكر بن دريد:
لا تحقرن عالما وإن خلقت ... أثوابه في عيون رامقه
وانظر إليه بعين ذي أدب ... مهذب الرأي في طرائقه
فالمسك بينا تراه ممتهنا ... بفهر عطاره وساحقه
حتى تراه في عارضي ملك ... وموضع التاج من مفارقه
وليكن مقتديا بهم في أخلاقهم، متشبها بهم في جميع أفعالهم؛ ليصير لها آلفا، وعليها ناشئا، ولما خالفها مجانبا. فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «خيار شبانكم المتشبهون بشيوخكم وشرار شيوخكم المتشبهون بشبانكم» .