وأما الرهبة فمن عقاب الله تعالى لتاركي أوامره، ومهملي زواجره. فإذا اجتمعت الرغبة والرهبة أديا إلى كنه العلم وحقيقة الزهد؛ لأن الرغبة أقوى الباعثين على العلم، والرهبة أقوى السببين في الزهد.
وقد قالت الحكماء: أصل العلم الرغبة وثمرته السعادة، وأصل الزهد الرهبة وثمرته العبادة فإذا اقترن الزهد والعلم فقد تمت السعادة وعمت الفضيلة، وإن افترقا فيا ويح مفترقين ما أضر افتراقهما، وأقبح انفرادهما.
وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من ازداد في العلم رشدا، فلم يزدد في الدنيا زهدا، لم يزدد من الله إلا بعدا» . وقال مالك بن دينار: من لم يؤت من العلم ما يقمعه، فما أوتي منه لا ينفعه. وقال بعض الحكماء: الفقيه بغير ورع كالسراج يضيء البيت ويحرق نفسه.
[فصل في التعلم]
التعلم فصل: واعلم أن للعلوم أوائل تؤدي إلى أواخرها، ومداخل تفضي إلى حقائقها. فليبتدئ طالب العلم بأوائلها لينتهي إلى أواخرها، وبمداخلها لتفضي إلى حقائقها. ولا يطلب الآخر قبل الأول، ولا الحقيقة قبل المدخل.
فلا يدرك الآخر ولا يعرف الحقيقة؛ لأن البناء على غير أس لا يبنى، والثمر من غير غرس لا يجنى. ولذلك أسباب فاسدة ودواع واهية.
فمنها: أن يكون في النفس أغراض تختص بنوع من العلم فيدعو الغرض إلى قصد ذلك النوع ويعدل عن مقدماته، كرجل يؤثر القضاء
ويتصدى للحكم فيقصد من علم الفقه أدب القاضي وما يتعلق به من الدعوى والبينات، أو يحب الاتسام بالشهادة فيتعلم كتاب الشهادات فيصير موسوما بجهل ما يعاني.
فإذا أدرك ذلك ظن أنه قد حاز من العلم جمهوره، وأدرك منه مشهوره، ولم ير ما بقي منه إلا غامضا طلبه عناء، وغويصا استخراجه فناء؛ لقصور همته على ما أدرك، وانصرافها عما ترك.
ولو نصح نفسه لعلم أن ما ترك أهم مما أدرك؛ لأن بعض العلم مرتبط ببعض، ولكل باب منه تعلق بما قبله فلا تقوم الأواخر إلا بأوائلها.
وقد يصح قيام الأوائل بأنفسها فيصير طلب الأواخر بترك الأوائل تركا للأوائل والأواخر فإذن ليس يعرى من لوم وإن كان تارك الآخر ألوم.
ومنها: أن يحب الاشتهار بالعلم إما لتكسب أو لتجمل فيقصد من العلم ما اشتهر من مسائل الجدل وطريق النظر.
ويتعاطى علم ما اختلف فيه دون ما اتفق عليه؛ ليناظر على الخلاف وهو لا يعرف الوفاق، ويجادل الخصوم وهو لا يعرف مذهبا مخصوصا. ولقد رأيت من هذه الطبقة عددا قد تحققوا بالعلم تحقق المتكلفين، واشتهروا به اشتهار المتبحرين. إذا أخذوا في مناظرة الخصوم ظهر كلامهم، وإذا سئلوا عن واضح مذهبهم ضلت أفهامهم، حتى إنهم ليخبطون في الجواب خبط عشواء فلا يظهر لهم صواب، ولا يتقرر لهم جواب.
ولا يرون ذلك نقصا إذا نمقوا في المجالس كلاما موصوفا، ولفقوا على المخالف حجابا مألوفا. وقد جهلوا من المذاهب ما يعلم المبتدئ ويتداوله الناشئ. فهم دائما في لغط مضل، أو غلط مذل ورأيت قوما منهم يرون الاشتغال بالمذاهب تكلفا، والاستكثار منه تخلفا.
وحاجني بعضهم عليه فقال: لأن علم حافظ المذاهب مستور، وعلم المناظر عليه مشهور. فقلت: فكيف يكون علم حافظ المذهب مستورا وهو سريع عليه الجواب، كثير الصواب؟ فقال: لأنه إن لم يسأل سكت فلم يعرف، والمناظر إن لم يسأل سائل يعرف. فقلت: أليس إذا سئل الحافظ فأصاب بان فضله؟ قال: نعم. قلت: أفليس إذا سئل المناظر فأخطأ بان نقصه، وقد قيل: عند الامتحان يكرم المرء أو