لئن جحدتك معروفا مننت به ... إني لفي اللؤم أحظى منك بالكرم
تعفو بعدل وتسطو إن سطوت به ... فلا عدمناك من عاف ومنتقم
[الفصل الخامس في الصدق والكذب]
الصدق والكذب الفصل الخامس في الصدق والكذب: قال الله تعالى وهو أصدق القائلين: {ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين} [آل عمران: 61] .
وقال تعالى: {إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله} [النحل: 105]
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال للحسن بن علي - رضي الله عنهما -: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن الكذب ريبة والصدق طمأنينة» . وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «رحم الله امرأ أصلح من لسانه، وأقصر من عنانه، وألزم طريق الحق مقوله، ولم يعود الخطل مفصله» . وروى صفوان بن سليم قال: «قيل للنبي - صلى الله عليه وسلم -: أيكون المؤمن جبانا؟ قال: نعم. قيل: أفيكون بخيلا؟ قال: نعم. قيل: أفيكون كذابا؟ قال: لا» . وقال ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله تعالى: {ولا تلبسوا الحق بالباطل} [البقرة: 42] أي لا تخلطوا الصدق بالكذب.
وقيل في منثور الحكم: الكذاب لص؛ لأن اللص يسرق مالك، والكذاب يسرق عقلك. وقال بعض الحكماء: الخرس خير من الكذب وصدق اللسان أول السعادة.
وقال بعض البلغاء: الصادق مصان خليل، والكاذب مهان ذليل. وقال بعض الأدباء: لا سيف كالحق، ولا عون كالصدق. وقال بعض الشعراء:
وما شيء إذا فكرت فيه ... بأذهب للمروءة والجمال
من الكذب الذي لا خير فيه ... وأبعد بالبهاء من الرجال
والكذب جماع كل شر، وأصل كل ذم لسوء عواقبه، وخبث نتائجه؛ لأنه ينتج النميمة، والنميمة تنتج البغضاء، والبغضاء تؤول إلى العداوة، وليس مع العداوة أمن ولا راحة. ولذلك قيل: من قل صدقه قل صديقه.
والصدق والكذب يدخلان الأخبار الماضية، كما أن الوفاء والخلف يدخلان المواعيد المستقبلة. فالصدق هو الإخبار عن الشيء على ما هو عليه، والكذب هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه. ولكل واحد منها دواع. فدواعي الصدق لازمة، ودواعي الكذب عارضة؛ لأن الصدق يدعو إليه عقل موجب وشرع مؤكد، فالكذب يمنع منه العقل ويصد عنه الشرع.
ولذلك جاز أن تستفيض الأخبار الصادقة حتى تصير متواترة، ولم يجز أن تستفيض الأخبار الكاذبة؛ لأن اتفاق الناس في الصدق والكذب إنما هو لاتفاق الدواعي، فدواعي الصدق يجوز أن يتفق الجمع الكثير عليها، حتى إذا تلقوا خبرا، وكانوا عددا ينتفي عن مثلهم المواطأة، وقع في النفس صدقه؛ لأن الدواعي إليه نافعة، واتفاق الناس في الدواعي النافعة ممكن.
ولا يجوز أن يتفق العدد الكثير، الذي لا يمكن مواطأة مثلهم، على نقل خبر يكون كذبا؛ لأن الدواعي إليه غير نافعة، وربما كانت ضارة. وليس في جاري العادة أن يتفق الجمع الكثير على دواع غير نافعة. ولذلك جاز اتفاق الناس على الصدق؛ لجواز اتفاق دواعيهم، ولم يجز أن يتفقوا على الكذب لامتناع اتفاق دواعيهم. وإذا كان للصدق والكذب دواع فلا بد من ذكر ما سنح به الخاطر من دواعيهما.
أما دواعي الصدق فمنها: العقل؛ لأنه موجب لقبح الكذب، لا سيما إذا لم يجلب نفعا ولم يدفع ضررا. والعقل يدعو إلى فعل ما كان مستحسنا، ويمنع من إتيان ما كان مستقبحا. وليس ما استحسن من مبالغات الشعراء، حتى صار كذبا صراحا، استحسانا للكذب في العقل كالذي أنشدنيه الأزدي لبعض الشعراء: