[مقدمة الكتاب]
مقدمة المؤلف الحمد لله ذي الطول والآلاء، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم الرسل والأنبياء، وعلى آله وأصحابه الأتقياء. أما بعد فإن شرف المطلوب بشرف نتائجه، وعظم خطره بكثرة منافعه، وبحسب منافعه تجب العناية به، وعلى قدر العناية به يكون اجتناء ثمرته، وأعظم الأمور خطرا وقدرا وأعمها نفعا ورفدا ما استقام به الدين والدنيا وانتظم به صلاح الآخرة والأولى؛ لأن باستقامة الدين تصح العبادة، وبصلاح الدنيا تتم السعادة. وقد توخيت بهذا الكتاب الإشارة إلى آدابهما، وتفصيل ما أجمل من أحوالهما، على أعدل الأمرين من إيجاز وبسط أجمع فيه بين تحقيق الفقهاء، وترقيق الأدباء، فلا ينبو عن فهم، ولا يدق في وهم، مستشهدا من كتاب الله - جل اسمه - بما يقتضيه، ومن سنن رسول الله - صلوات الله عليه - بما يضاهيه، ثم متبعا ذلك بأمثال الحكماء، وآداب البلغاء، وأقوال الشعراء؛ لأن القلوب ترتاح إلى الفنون المختلفة وتسأم من الفن الواحد.
وقد قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: إن القلوب تمل كما تمل الأبدان فاهدوا إليها طرائف الحكمة. فكأن هذا الأسلوب، يحب التنقل في المطلوب، من مكان إلى مكان وكان المأمون - رحمه الله تعالى -، يتنقل كثيرا في داره من مكان إلى مكان وينشد قول أبي العتاهية:
لا يصلح النفس إذ كانت مدبرة ... إلا التنقل من حال إلى حال
وجعلت ما تضمنه هذا الكتاب خمسة أبواب:
الباب الأول: في فضل العقل وذم الهوى.
الباب الثاني: في أدب العلم.
الباب الثالث: في أدب الدين.
الباب الرابع: في أدب الدنيا.
الباب الخامس: في أدب النفس. وإنما أستمد من الله تعالى حسن معونته، وأستودعه حفاظ موهبته، بحوله ومشيئته، وهو حسبي من معين وحفيظ.
[الباب الأول
فضل العقل
وذم الهوى] </span>[فضل العقل]
اعلم أن لكل فضيلة أسا ولكل أدب ينبوعا، وأس الفضائل وينبوع الآداب هو العقل الذي جعله الله تعالى للدين أصلا وللدنيا عمادا، فأوجب الدين بكماله وجعل الدنيا مدبرة بأحكامه، وألف به بين خلقه مع اختلاف هممهم ومآربهم، وتباين أغراضهم ومقاصدهم، وجعل ما تعبدهم به قسمين: قسما وجب بالعقل فوكده الشرع، وقسما جاز في العقل فأوجبه الشرع فكان العقل لهما عمادا.
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ما اكتسب المرء مثل عقل يهدي صاحبه إلى هدى، أو يرده عن ردى» . وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لكل شيء عمل دعامة ودعامة عمل المرء عقله فبقدر عقله تكون عبادته لربه أما سمعتم قول الفجار {لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} [الملك: 10] » .
وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: أصل الرجل عقله، وحسبه دينه، ومروءته خلقه. وقال الحسن البصري: ما استودع الله أحدا عقلا إلا استنقذه به يوما ما. وقال بعض الحكماء: العقل أفضل مرجو، والجهل أنكى عدو. وقال بعض الأدباء: صديق كل امرئ عقله وعدوه جهله.
وقال بعض البلغاء: خير المواهب العقل، وشر المصائب الجهل. وقال بعض الشعراء، وهو إبراهيم بن حسان:
يزين الفتى في الناس صحة عقله ... وإن كان محظورا عليه مكاسبه
يشين الفتى في الناس قلة عقله ... وإن كرمت أعراقه ومناسبه
يعيش الفتى بالعقل في الناس إنه ... على العقل يجري علمه وتجاربه