باب صدقة الرقيق، وجزية أهل الكتاب
* وجه [إباء] (¬1) عمر بن الخطاب أن يأخذ من خيل أهل الشام ورقيقهم الزكاة من أجل قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ليس على المسلم في عبده، ولا في فرسه صدقة" [962]، فلما أكثر أهل الشام على أبي عبيدة في ذلك أعلم عمر بذلك، فأمره أن يأخذها من أغنيائهم، ويردها على فقرائهم، وذلك لتطوعهم بها [963].
وقال [أبو] (¬2) عمر: قول عمر لأبي عبيدة: (وارزق رقيقهم) يعني: تعاهد أمر عبيدهم لا يضيعوهم، فمن ضيع عبده جعلت له في مال سيده رزقا يكفيه لمعاشه، وقد كان عمر يتعاهد بالمدينة أمور العبيد، فماذا وجد عبدا قد كلف من الخدمة فوق طاقته خفف عنه منها، وفرض له في مال سيده قوتا يقوم به.
* قول ابن شهاب: (بلغني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ الجزية من مجوس البحرين، وفعل عمر مثل ذلك، وأخذها عثمان من كفرة بربر) [967 و 968]، وهؤلاء كلهم من غير أهل الكتاب، وهذا كله يدل على أن الجزية تؤخذ من جميع أهل الكفر إذا رضوا بها، وحقنوا بها دماءهم.
وهذا يرد قول من يقول: لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب خاصة، وأما من سواهم من أهل الكفر فإئه لا يقبل منهم إلا الإسلام، فإن أبوا أن يسلموا قوتلوا، PageV01P272
لأن الله إنما أمر بأخذها في كتابه من أهل الكتاب (¬1).
وحجة أهل المدينة أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - الجزية من مجوس البحرين ثم الخلفاء بعده، وهؤلاء هم العلماء بتأويل كتاب الله -عز وجل-.
* ومعنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في المجوس: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب " [968]، يعني: في أخذ الجزية خاصة، لا في مناكحة نسائهم، ولا في أكل ذبائهم، قال الله -عز وجل-: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} [البقرة:221] وهن [المجوسيات] (¬2) والوثنيات ممن ليس من أهل الكتاب، وقال تعالى: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} [الأنعام: 121] يعني: لا تأكلوا ما ذبحه غير أهل الكتاب من المجوس وعبدة الأوثان، وأباح الله تعالى نكاح حرائر أهل الكتاب وأكل ذبائحهم، فقال: {والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم}، وقال: {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم} [المائدة: 5]، والمجوس بخلاف هذا كله، إلا في أخذ الجزية كما تؤخذ من أهل الكتاب، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب".
قال عبد الملك بن حبيب: أول ما فرض الله الجزية على أهل الذمة وبين كيف تؤخذ منهم عمر بن الخطاب، وذلك أنه لما وجه عمرو بن العاصي إلى مصر فافتتحها كتب إلى عمر بن الخطاب يستأذنه في أن يقسم الأرض على الذين افتتحوها كما يقسم عليهم سائر الغنيمة، فكتب إليه عمر أن يقسم ما سوى الأرض ويبقيها بعمالها ولا يقسمها، وتأول قول الله -عز وجل-: {والذين جاءوا من بعدهم} [الحشر: 10]، فأبقى الأرض لمن يأتي من بعدهم من المسلمين بعد الذين افتتحوها، ثم جعل على كل علج منهم أربعة دنانير في العام، وجعل على الأرض خراجا على حدة، وتركهم عمالا لها، ولم يعرض على نسائهم، PageV01P273
ولا على صبيانهم، ولا على عبيدهم شيئا، وجعل على أهل الورق أربعين درهما في العام على كل بالغ فما فوقه.
[قال أبو المطرف]: إنما لم يأخذ من النساء ولا من الصبيان لأنهم ليسوا ممن يقاتل، وإنما أمر الله أخذ الجزية من المقاتلة، وأما العبيد فانهم سلعة، ولا شيء عليهم في سلعتهم.