تفسير كتاب الأشربة، والحد في الخمر
* قؤل عمر بن الخطاب: (إني وجدت من فلان ريح شراب، فسألته عنه، فزعم أنه شرب الطلاء) [3116] , وذكر الحديث إلى آخره، فيه من الفقه: أن من شرب شرابا مسكرا أنه يحد إذا شهد شاهدان من [المسلمين] (¬1) يعرفان رائحة الخمر أنه شرب شرابا مسكرا.
وأن الإمام يقيم الحدود على القريب والبعيد.
وقد ثبت أن ما أسكر كثيره فقليله حرام من جميع الأشربة، والخمر تكون من أشياء مختلفة من العسل، والتمر، والزبيب، وإنما حرمت الخمر [لأنها تولد العداوة والبغضاء، وتصد عن ذكر الله، وعن الصلاة] (¬2) وشرابهم يوميذ فضيخ التمر، وقد بين الله في كتابه علة تحريمها فقال: {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون} [المائدة: 91].
قال ابن أبي زيد: وأجمعت الأمة على انتقال اسم العصير إلى اسم الخمر بالشدة الحادثة في العصير، فدل ذلك على إن الشدة علة (¬3) التحريم، فكلما PageV02P726
كانت فيه الشدة موجودة من جميع الأشربة وجب له حكم الخمر.
* [قال عبد الرحمن] (¬1): جعل عمر مسألة إقامة الحد في الخمر مسألة شورى، وأخذ في ذلك بقول علي بن أبي طالب [- رضي الله عنه -] (¬2)، ووافقه على ذلك (¬3) أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[3117] , ولم يثبت فيه حد موقوف عنده عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، إلا أنه جلد فيه بالجريد والنعال، وجلد فيه أبو بكر [- رضي الله عنه -] (¬4) أربعين، ثم أجمع الصحابة (¬5) في أيام عمر على جلد ثمانين سوطا.
* قال ابن القاسم: كان مالك يقول: ينبذ في الظروف كلها إلا الدباء والمزفت، لأنه [ثبت] (¬6) نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الإنتباذ فيهما من حديث ابن عمر، وأبي هريرة [3122 و 3123] (¬7).
قال عيسى: لا ينتبذ البسر والتمر، ولا التمر والزبيب جميعا.
قال: ولا يخلط المعسل والسكركة، والسكركة شراب يعمل من القمح (¬8).
قال: ولا بأس أن يخلط العسل واللبن.
قال: ولا يصلح أن يجعل العسل في النبيس (¬9)، لأنهما خليطان. PageV02P727
قال ابن مزين: رخص أصبغ بن الفرج في شراب النبابيس.
قال عيسى: ولا يخلط نبيذ زبيب ونبيذ تمر ثم يشربان وإن لم يسكرا، وقد كان ابن عمر ينبذ النبيذ، فينظر إلى التمرة بعضها بسرة وبعضها رطبة فيقطعها، ولا ينبذها كلها، كراهية أن ينبذ البسر والرطب جميعا، لنهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الخليطين في الإنتباذ، من أجل أن بعض ذلك يهيج بعضا.
* [قال عبد الرحمن]: حديث عائشة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن البتع، فقال: "كل شراب أسكر فهو حرام" [3128].
قال أحمد بن خالد: هذا حديث صحيح، وقال فيه أحمد بن حنبل: أنا أقف عند هذا الحديث، والبتع: شراب العسل، وفيه: أن كل مسكر حرام، وقد رد النبي - صلى الله عليه وسلم - راوية الخمر التي أهديت إليه، وقال: "إن الذي حرم شربها حرم بيعها" (¬1).
قال عيسى (¬2): شراب الفضيخ هو: أن يؤخذ البسر فيهشم ويصب عليه
الماء، ثم يترك حتى يطيب ويشرب، ومن تركه حتى تحدث فيه الشدة صار
حراما.
* [قال] عبد الرحمن: أباح مالك الانتفاع بأواني الخمر بعد أن تغسل ما لم تكن زقاقا (¬3)، ولم يأخذ [مالك] (¬4) في ذلك بحديث أبي طلحة لأنس بن مالك حين قال له: (قم إلى هذه الجرار فاكسرها) [3133] , وأما الزقاق فتدخلها نجاسة الخمر، فلا ينتفع بها لأنها تفسد كلما جعل فيها.