ذلك لكل حد تقدم فيمن حد له وفي غيره، وكذلك إذا حد الرجل في شرب الخمر كان ذلك لكل شرب تقدم وإن حد في الزنا كان ذلك لكل زنا تقدمه.
[قال] عبد الرحمن: إنما لزم الحد عند مالك في التعريض بالسب كما يلزم بالتصريح من أجل أن الحكم في الأشياء لمعانيها، وذلك أن المعرض بالقذف إنما أراد به ما في نفسه لا ما ظهر من لفظه، وأصل التعريض بالسب قول قوم شعيب: {إنك لأنت الحليم الرشيد} [هود: 87] , وإنما عرضوا له بالسب بضد قولهم، ولو كان عندهم في اعتقادهم حليما رشيدا لأجابوه إلى ما دعاهم إليه وصدقوه في ذلك، ومنه قول اليهود حين كانوا يخاطبون النبي - صلى الله عليه وسلم - فيقولون له: يا محمد، راعنا سمعك، وكانوا يريدون بذلك سبه بالرعونة، فمنع الله [جل وعز] (¬1) من ذلك المؤمنين، وأنزل عليهم: {ياأيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا} [البقرة: 104].
* * * PageV02P716
باب ما لا حد فيه، وجامع القطع، إلى آخر الكتاب
قال ابن عبد الحكم: من وطء جارية له فيها شرك أنها إن لم تحمل فهي على هيئتها، وكان للشريك على الواطيء نصف ما نقصها الوطء من ثمنها، فإن حملت قومت عليه، وكان لشريكه عليه [إذا كان له مال] (¬1) نصف قيمة الولد.
وقال أيضا: لا تبع نصف قيمة الولد إذا قومت (¬2).
وقال غيره: إذا لم يكن له مال تقوم فيه عليه، فإن شاء الشريك أن يسلمها إليه ويتبعه نصف قيمتها كان ذلك له، وإن شاء بيع له نصفها، فإن نقصه من قيمتها شيء أتبعه الشريك به دينا عليه، ولم يبع الولد وعليه العقوبة في وطئه إياها, ولا يبلغ به الحد، لأنه لا يجتمع أبدا حد وثبوت نسب، وكذلك أيضا يدرأ الحد عمن وطء جارية أحلها له سيدها، وتقوم عليه، ويلحق به الولد، بسبب شبهة الهبة التي كانت، ومن أجلها يسقط الحد عن الواطئ، ولا تجوز إعارة الفروج، ويسقط الحد عن الأب في وطء (¬3) جارية ابنه، لحرمة الأبوة، ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أنت ومالك لأبيك" (¬4). PageV02P717
[قال] عبد الرحمن: إذا ادعت امرأة أن زوجها وطء جاريتها غصبا، وقال الزوج: إنها وهبتها له، ثم أقرت المرأة بالهبة أنه لا حد على الزوج، ولا على المرأة، من أجل الغيرة، هذا قول (¬1) عيسى بن دينار.
وقال أشهب: عليها الحد لرميها إياه بالزنا.
* [قال] عبد الرحمن: روى عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من وطء بهيمة فاقتلوه واقتلوها" (¬2)، هذا حديث ليس من أحاديث (¬3) أهل المدينة، وقد روى أبو رزين، عن ابن عباس أنه قال: (ليس على الذي يأتي بهيمة حد) (¬4)، وهذه الرواية أصح من رواية عكرمة عن ابن عباس، ولهذا قال علماء أهل المدينة: إن البهيمة لا تقتل، ولا يقتل واطئها.
[قال] عبد الرحمن: في حديث ابن عمر: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم" [3074] , في هذا من الفقه: أن الله -عز وجل-[وضع] (¬5) نبيه - صلى الله عليه وسلم - من كتابه موضع البيان عنه، فجاءت سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مفسرة للقرآن الذي نص الله [سبحانه] (¬6) فيه القطع على السارق (¬7) بغير تحديد لقيمة السرقة، فلو تركنا وظاهر القرآن لقطعنا كل سارق يسرق ما قل أو كثر كما قالت الخوارج، وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحق أن تتبع من قول الخوارج. PageV02P718