باب في الشركة، والتولية، وإفلاس الغريم
إذا باع الرجل ثيابا مختلفة الصفات فاستثنى لنفسه من صنف منها عددا يختاره، فإن ذلك جائز، مثل أن يبتع عدلا فيه خمسون ثوبا عشرة من خز، وعشرة من ديباج، وعشرة من حرير، وعشرة من قطن، وعشرة من كتان، فيستثني البائع منها عددا عند الصفقة مختارة من أحد الأصناف، فهذا جائز وله شرطه، وإذا لم يسم من أي الأضناف يختار العدد الذي استثناه لنفسه، فإنه يكون شريكا للمشتري منه بقدر ما استئناه لنفسه من ذلك في جملة ما باع من جميع تلك الثياب.
قال أبو المطرف: أجمع أهل المدينة على إجازة الشرك والتولية والإقالة في الطعام وغيره قبل قبضه، من أجل أنه فعل معروف، وليس يوجد في ذلك حديث مسند عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، إلا ما أرسله سعيد بن المسيب، وذكره مالك في الموطأ (¬1).
* قال أبو المطرف: قول مالك فيمن اشترى سلعة ثم اشترك فيها غيره أن التبعة فيها على المشرك، إلا أن يشترط المشرك على الذي أشركه بحضرة البيع في وقت الشركة أن بيعتك فيها على البائع الأول، فينفعه شرطه، وتكون حينئذ تبعة المشزك فيما يلحقه في السلعة على البائع الأول، وإن بعد شرط المشرك من عقد الصفقة لم ينتفع به، وكانت التبعة في ذلك على المشرك، إنما كانت التبعة على المشرك أو المولي من أجل أنه قد كان ملكة ما أشرك فيه أولا بعقد الصفقة، فماذا أشرك أولا بحضرة البائع الأول واشترط التبعة عليه نفعه شرطه، PageV02P485
لأنه لم يكن حينئذ مالكأ لما أشرك فيه، أو ولاه ملكأ تاما، وأما إذا بعد شرطه من عقد الصفقة لم ينتفع به، لأنه قد ملكه ذلك ملكا تاما، فلذلك لزمته التبعة، ولم ينتفع بشرطه.
* قول مالك فيمن ابتاع سلعة ثم قال له رجل: أشركني بنصفها وأنا أبيعها لك أنه جائز، يعني: إذا ضرب لبيعها أجلا، لأنه بيع وإجارة، والبيع والإجارة جائز أن يجتمعان في صفقة واحدة، فإن لم يضرب لبيعه إياها أجلا لم يجز.
قال عيسى: فإن باعها فى نصف الأجل الذي ضربه لبيعها كان له نصف الأجرة في بيعه إياها.
وتفسير ذلك: أن يقال ما قيمة نصف هذه السلعة على اشتراط قيام المشتري في بيعه النضف الآخر شهرا، فإن قيل: قيمتها عشرة دراهم، قيل: فما قيمتها بغير اشتراط؟ فإن قيل: اثنتي عشر درهما، فبين القيمتين درهمان، وهو السدس من الثمن كله، فإذا خدمه في بيعها نصف شهر وجب له من الأجرة نصفها، فهذا وجه العمل في هذه المسألة.
* قال أحمد بن خالد: روى حديث التفليس أصحاب مالك عنه مرسلا، إلا عبد الرزاق فإنه أسنده عن مالك، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أيما رجل باع متاعا فأفلس الذي ابتاعه منه"، وذكر الحديث إلى آخره (¬1).
قال أحمد بن خالد: وأصحاب مالك لا يذكرون في سند هذا الحديث أبا هريرة، وإنما يرونه مرسلا عن أبي بكر بن عبد الرحمن، وهو الصحيح، وبهذا أخذ مالك، والزهري قبله، كانا يقولان: صاحب المبتاع أحق بمتاعه إذا وجده في حال الفلس، وهو في الموت أسوة الغرماء. PageV02P486
* قال أحمد: وذهب بعض الناس أن الموت والفلس سواء، وأن لصاحب السلعة أن يأخذها في الموت، كما يأخذها في الفلس، واحتج في ذلك بما [رواه] (¬1) ابن أبي ذئب، عن أبي المعتمر، عن عمر بن خلدة، عن أبي هريرة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من مات أو أفلس فوجد رجل متاعه فهو أحق به" (¬2).