قال أبو محمد: أجاز أهل المدينة بيع المصحف يكون فيه من الفضة قدر ثلث ثمنه فأدنى أن يباع بالفضة نقدا، وكذلك السيف يكون فيه من الفضة مثل ذلك أن يباع بالفضة، وكذلك أجازوه في الذهب إذا كان الذهب في المصحف أو السيف قدر الثلث فدون أن يباع بالذهب نقدا، ولا يجوز إلى أجل. وأجاز أشهب إلى أجل.
وحجتهم في إجازة ذلك: قول النبي - عليه السلام -: "من باع عبدا وله مال فماله للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع" (¬2)، وقد يكون مال العبد ذهبا أو فضة، وهو يباع بالذهب أو بالفضة، فإذا كان ما في المصحف أو السيف من الفضة أو الذهب قدر ثلث ذلك فكان تبعا للصفقة، وإذا كان أكثر من الثلث بيع الذي فيه الذهب بالفضة، والذي فيه الفضة بالذهب يدا بيد، ولا يجوز إلى أجل، لأنه PageV01P450
يصير في الآجل بيع فضة وعرض نقدا بفضة إلى أجل، أو ذهبا نقدا وعرضا بذهب إلى أجل، ولا يجوز ذلك، لأن الذهب بالفضة ربا، إلا هاء وهاء.
وقال ابن عبد الحكم: إذا كانت الفضة أو الذهب في السيف أوفي المصحف أكثر من الثلث بيع ذلك بالعروض، يدا بيد، وإلى أجل.
* قال أبو المطرف: بين النبي - عليه السلام - أن المناجزة إذا لم تكن في الصرف كان ذلك ربا، ولذلك قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: (وإن استنظرك إلى أن يلج بيته فلا تنظره)
وروى غير مالك حديث عمر هذا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "الذهب بالورق ربا، إلا هاء وهاء، والبر بالبر ربا، إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا، إلا هاء وهاء، والملح بالملح ربا، إلا هاء وهاء" (¬1).
وهكذا أيضا رواه عبادة بن الصامت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (¬2).
ومعنى قوله: "هاء وهاء" أي: خذ واعطي، يريد يدا بيد.
قول ابن أبي زيد: لما ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث أعلى الأقوات، وهو البر، وذكر أقل المؤتدمات وهو الملح، ألحق العلماء ما لم يسم من قوت أو إدام بما سمى مما يشبهه في تخريم التفاضل في الجنس الواحد، وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عامله على خيبر أن يبادل الجمع بالجنيب متفاضلا، فلما لم يجز ذلك في الجنيب منه بالجمع، وهما اسمان، إلا أنهما في النفع وفي الخلقة مشتبهان كان كذلك كل ما أشبة التمر من الطعام.
قال: وليس إفراد الشعير بالتسمية الذي يمنع أن يكون له حكم البر، وقد جمع المسلمون بين الضأن والمعز في الزكاة، فكذلك حكم الشعير والقمح أن يجمعا في الزكاة والبيع والمبادلة، لأنهما صنف واحد. PageV01P451
قال ابن أبي زيد: فإن احتج محتج بما يروى في حديث عبادة: "بيعوا القمح بالشعير كيف شئتم"، قيل لمن احتج به: إنما هذا فتيا من ناقل الحديث، وليس هو بثابت، وهذا السلت مفرد باسمه، وقد حكم له بحكم البر من يخالفنا في الشعير، فكذلك حكم البر والشعير كحكم البر والسلت، وهذا ما لا خلاف فيه عند أهل المدينة، أن البر والشعير صنف واحد.
* قول مالك فيمن صرف دراهم بدنانير فوجد في الدراهم درهما زائفا فرده على الصراف أنه ينتقض الصرف بينهما، إنما قال ذلك لأنه جعله من الصرف المتأخر بعضه.
وقال ابن عبد الحكم: إذا كان الصرف جملة دنانير فوجد في الدراهم زيوفا، أنه ينتقص من ذلك الصرف دينار واحد إذا كانت الزيوف قدر ما يقع من الصرف له دينار، فإن كانت أكثر من صرف دينار واحد انتقص من الصرف ديناران.