قال أبو عمر: مغنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث: "أينقص الرطب إذا يبس؟ قال: نعم" هذا الحديث أصل في الرد إلى أهل الصناعات في العيوب، وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استفهم أهل النخل عما يعرفونه فعرفوه.
* * * PageV01P442
تفسير بيع المزابته، إلى آخر باب بيع الفاكهة
أصل المزابنة في كلام العرب: المدافعة، ومنه قيل: زبانية النار، لأنهم يدفعون أهلها فيها، فصار المتعاملان بما فيه مزابنة قاصدين إلى دفع الحق الذي كان يلزمهما في البثع، فمن اشترى ثمرا في رؤوس النخل بتمر كيلا، أو اشترى عنبا بزبيب كيلا خالف قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "التمر بالتمر مثلا بمثل ويدا بيد" (¬1) لعدم المماثلة والمناجزة.
قال: والمحاقلة المنهي عنها هي كراء الأرض بالحنطة، وهذا لا يجوز، لأنة يدخله طعام بطعام إلى أجل، وروى جابر بن عبد الله: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن المزابنة، والمحاقلة، والمخابرة" (¬2).
قال ابن خالد (¬3): كري الأرض بجزء مما يخرج منها هي المخابرة، ومن هذا قيل للزارع الخبير، لأنه يخبر الأرض بزراعته إياها.
قال مالك: المزابنة بيع مكيل بجزاف من صنفه مما لا يجوز فيه التفاضل في الكيل.
* قال عيسى: الخبط ورق تعتلفه الجمال، يخبط لها بالفضاء فتأكله، والقضب علف تعتلفه الدواب، والكرسف هو القطن، فإذا لم يعلم صاحب الخبط، أو القضب، أو القطن وزن ذلك ولا عدده، فجاءه رجل فقال له: زنه PageV01P443
فما نقص من كذا وكذا رطلا فأنا أغرم لك ما نقص من ذلك، وما زاد فهو لي بسبب ضماني لك ما ينقص، أو قال له مثل ذلك في ثوبه، كان هذا من الغرر والقمار، وهو من أكل المال بالباطل الحرام الذي لا يجوز أكله، وتدخله أيضا المزابنة، لأنه ألزم نفسه كيلا معلوما أو وزنا معلوما يضمنه عن وزن أو كيل مجهول لا يعرف كيله ولا وزنه، ومثل هذه المسألة الشبه الذي ذكره مالك في الموطأ، والشبه: الصفر الأحمر الذي يشبه الذهب (¬1)، ولذلك قيل له الشبه، والآنك هو القصدير، والكتم هو شيء يصبغ به الشعر يسوده قليلا، والسليخة هي عصارة حب البان الزيت (¬2) الذي يخرج من الحب قبل أن يغلي على النار، ويطرح فيه الكافور والطيب فيصير حينئذ بانا طيبا.
قال الأبهري: البيوع على أربعة أوجه: بيع الأعيان الحاضرة.
وبيعها إذا كانت غائبة على وضف السامع، أو وضف غيره، ولا يجوز النقد في هذا إلا ما كان مأمونا لا يختلف كالدور والأرضين.
والوجه الثالث: السلم في شيء موصوف إلى أجل معلوم، ولا يكون في شيء بعييه.
والوجه الرابع: السلف، وهو معروف عند أهل المدينة، يسلف الرجل إلى بائع الفاكهة أو الرطب أو الخباز أو الجزار في شيء معلوم [ووقت] (¬3) معلوم، وهو من ناحيته الإرتفاق، و [إن] (¬4) بالإنسان حاجة إلى أن يأخذ لعياله كل يوم شيئا معلوما، ولو أخذ ذلك المشتري كله في يوم واحد لفسد ذلك عليه، ولا PageV01P444
تجوز هذه الصفقة إلا أن يسمي قدر ما يأخذ من ذلك في كل يوم، لأنه إذا لم يكن معلوما دخله الغرر، إذ لا ينري البائع كيف يدفع، ولا المشتري كيف يقبض، فإذا كان ما يأخذ في كل يوم معلوما سلفا من الغرر صح البيع بينهما.
قال عيسى: من اشترى رطبا من نخل مسماة كيلا أو وزنا فقبض بعض ما اشترى ثم فني الرطب، أو اشترى لبنا من غنم مسماة كيلا يأخذ من ذلك كل يوم شيئأ معلوما ففني رطب ذلك الحائط، أو انقطع لبن تلك الغنم قبل أن يستوفي المشتري ما اشترى من ذلك فإنهما يتحاسبان على عدد الكيل الذي قبضه المشتري من البائع، ويرد عليه البائع بقدر ما بقي له من الثمن، فيقبضه منه ولا يؤخره به، فإن أخره به دخله الدين بالدين.