* قال أبو محمد: وهذا هو وجه الحرج؛ لأنه هكذا يعرض له في الصلاة الثانية والثالثة، ويتمكن الشيطان به، ويخلط عليه صلواته أبدا, ولهذا المعنى أيضا أدخل مالك حديث ابن عمر: "إذا شك أحدكم في صلاته فليتوخ (¬1) الذي يظن أنه نسيه من صلاته فليصله، ويسجد سجدتين وهو جالس", قال مثله عبد الله بن عمرو بن العاصي، وكعب الأحبار, وبهذا أخذ مالك.
* أسند القعنبي وابن القاسم عن مالك، عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه، عن عائشة أنها قالت: "أهدى أبو جهم بن حذيفة لرسول الله- صلى الله عليه وسلم - خميصة شامية"، وذكر الحديث (¬2)، وأرسله يحيى بن يحيى عن مالك، ولم يذكر فيه أمه (¬3) , وكذلك أرسل أيضا يحيى عن مالك، عن هشام، عن أبيه: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لبس خميصة لها علم" وذكر الحديث، وأسنده معن بن عيسى عن مالك، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (¬4).
قال عيسى: الخميصة كساء من صوف فيه علم من حرير، فكرهه PageV01P160
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لموضع الحرير، فرد تلك الخميصة إلى مهديها، وأخذ منه عوضها أنبجانيه، والأنبجانية كساء من صوف ولا علم فيه من حرير.
وفي هذا الحديث من الفقه إباحة قبول الهدية إذا كانت من مكسب طيب، وفيه رد الهدية للعذر، وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما نظر إلى علمها في صلاته شغلته فردها إلى مهديها إليه، وفي رده إياها إليه تعليم منه وتنبيه ألا يصلي الرجل بمثلها من أجل الحرير الذي كان فيها، وخفف الفقهاء العلم الرقيق يكون في الثوب يصلي به الرجل، فإذا كان مثل الخميصة فلا يفعل.
* قوله في حديث أبي طلحة: "وكانت النخل مطوقة بثمرهاه, يعني كانت ثمرة النخل قد أطافت بعراجينها، فصارت [لينة] (¬1) كالأطواق في الأعناق.
وقوله: "قد ذللت" يعني: فذللت ثمرة تلك النخل العراجين إلى الأرض وتدلت، وحسن منظرها فشغله نظره إليها عن صلاته، حتى أنه لم يدر كم صلى، فصار ذلك فتنة افتتن بها فتصدق.
قال أبو محمد: أدخل مالك هذا الباب في الموطأ لكراهية الشغل في الصلاة خاصة، وللمؤلف أن يخص من جملة الحديث إلى شيء واحد، يترجم به ما قصد إليه من معنى الحديث، وقد تقدم لمالك قبل هذا الباب البنيان في الصلاة على اليقين، وبسجود السهو في الزيادة بعد السلام، وفي النقصان قبل السلام.
* وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إني لأنسى أو أنسى لأسن" قال عيسى: يقول إني لأنسى أنا أو ينسيني ربي، لكني أعمل من أجل ما نسيت عملا يكون سنة لمن بعدي من أمتي، يعملون بها في صلاتهم.
* قول القاسم بن محمد للرجل الذي سأله أنه يهم في الصلاة، يعني قد غلب عليه الوهم فيها، فقال له القاسم بن محمد: "امض في صلاتك، فإنه لن يذهب PageV01P161
عنك حتى تنصرف وأنت تقول: ما أتممت صلاتي" يقول: إنك إذا لم تلتفت إلى ما يوهمك به الشيطان في صلاتك، وأكثرت مخالفتك للشيطان بتركك لما يوهمك به من ذلك تركك، وذهبت عنك وسوسته، ولهذا قال مالك فيمن استنكحه السهو في صلاته (¬1): أنه لا سجود عليه، وإذا عرض له مثل هذه الوسوسة في اليسير من صلاته، وفي وقت دون أوقات فإنه يسلم، ثم يسجد سجدتين، ثم يسلم بعدهمالأولم يكن عليه غير ذلك، نحو حديث أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا قام أحدكم يصلي جاءه الشيطان فلبس عليه"، إلى قوله "فليسجد سجدتين وهو جالس" فإنما هذا [فيمن خاف] (¬2) من السهو، وإنما يبني على يقينه ثم يسجد من [قبل سلامه] (¬3) في الصلاة فيأتي بما شك فيه أنه تركه، ويسجد بعد السلام، وأما من استنكحه السهو وغلب عليه فلا سجود عليه.