ما يجوز من استثناء ثمر الحائط إذا بيع،
وما يكره من بيع الثمر
(¬1)
إنما جاز لمن باع ثمر حائطه بثمن معلوم أن يستثني منه كيلا معلوما فيما يكون قدر ثلث الجميع فدون، من أجل أن ذلك تبع للصفقة، ولا بأس أن يشترط ذلك البائع على المبتاع رطبا ويابسا، وتفسير ذلك: أن يبيع الرجل ثمر حائطه بمائة دينار، ويستثني منه ثلاثين دينارا كذا وكذا قفيزا (¬2)، إذا كانت الأقفزة المستثناة قدر ثلث الحائط فما دون من جميع ثمر الحائط، فإن أصاب ثمر ذلك الحائط جائحة بالثلث فما فوقه وضع عن المشتري من الكيل المستثنى بقدر الجائحة من الجميع، فإذا كان المستثنى أكثر من الثلث لم يجز، ودخلته المخاطرة والمزابنة، لأن المستثنى يكون حينئذ مغلوم الكيل من مجهول الكيل، فإذا وقع مثل هذا البيع فسخ، فإن جد المبتاع الثمرة ردها، فإن فاتت رد مثل مكيلتها من صنفها، فإن لم يجد مثلها أو لم يعرف لها كيلا كان عليه قيمتها يوم جذها، وأخذ جميع الثمن من البائع، وأخذ منه أجرة قيامه على الثمرة وجذاذه لها، وضمان الثمرة ما كانت قائمة في رؤوس النخل من البائع.
قال عيسى: وأما الذي يبيع ثمر حائطه ويستثني لنفسه نصف الثمرة أو ثلثها PageV01P440
أو جزء منها فهو جائز، لأنه شريك للمبتاع بقدر الجزء الذي استثنى من الثمرة لنفسه.
* قول مالك في الذي يبيع تفر نخله ويستثني لنفسه تمر نخلة أو نخلات يختارها من الحائط ويسمي عددها أنه لا بأس بذلك، لأنه شيء حبسه من حائطه، وباع ما سوى ذلك.
قال ابن القاسم: ليس يعجني هذا القول من مالك، ولم أر عنده في هذه المسألة حجة، ولقد أوقفني فيها نحوا من أربعين ليلة ينظر فيها، ثم قال: ما أراها إلا مثل الغنم يبيعها الرجل على أن يختار منها لنفسه شاة أو شياها يسميها ويذكر عدتها.
قال ابن القاسم: وليست النخل مثل الغنم، لأن الغنم يجوز بيعها متفاضلة، والتمر لا يجوز فيها التفاضل، قال ابن القاسم: فإن وقع مثل هذا البيع أجزته لقول مالك فيه (¬1).
قال ابن القاسم: وإذا استئنى البائع لنفسه عدد أصول من الحائط الذي باعه ولم يشترط أن يختارها جاز البيع وكان البائع شريكا للمبتاع بقدر عدد تلك الأصول التي استثناها لنفسه في جميع الحائط الذي باع.
* قال أبو المطرف: الجنيب من التفر هو أطيب التمر، والجمع من التمر هو أصناف مختيفة تجمع، فيكون منبها الطيب والوسط والدون، وإنما نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عامله على خيبر على ابتياع صاع من تجنيب بصاعين من جمع لأنه ربا، إذ لا يباع التمر بالتمر إلا مثلا بمثل، وإنما لم ينقض تلك الصفقة لأنه كان PageV01P441
ذلك قبل نزول آية الربا، قال الله -عز وجل- فيها: {وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم} [البقرة: 279]، ثم علم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عامله كيف يصل إلى أخد الطيب من التمر، فقال: "بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبا"، يريد: إذا لم يكن البيع والإبتياع من رجلى واحد، لأنه يصير حينئذ التمر بالتمر متفاضلا، وتكون الدراهم بينهما ملغاة.
قال أبو عمر: لا بأس أن يخلط التمر وشبهه بعضه ببعض للأكل الطيب مع الدون، وأما عند البيع فلا ينبغي أن يخلط دنيء بجيد لأنه غش ولا يحل الغش.
* قال أبو مصعب الزهري: معنى قول [سعد] (¬1) حين سئل عن البيضاء بالسلت، فقال: (أيهما أفضل؟)، يريد: أيتهما أفضل في الكيل، فلهذا نهى عنه إلا مثلا بمثل، ومن باع صاعا من تمر بصاع من رطب دخله التفاضل بين التفر، لأن الصاع من الرطب إذا يبس لم يكن فيه صاع من تمر فيكون التمر بالتمر ليس مثلا بمثل، ولا بأس بالرطب بالرطب مثلا بمثل إذا كان يدا بيد.