تفسير الأقراء، والطلاق في الحيض،
وأمر العدة في الحرة والأمة
* معنى نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الطلاق في الحيض [2139] من أجل أنه كان خلاف ظاهر القرآن، قال الله تبارك وتعالى في كتابه: {ياأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق: 1]، فأمر الله -عز وجل- أن يطلق النساء في وقت يبتدين فيه بالعدة، وهذا يدل على أن الأقراء هي الأطهار، وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تطلق المرأة في طهر لم تمس فيه، لتعتد به في أقرائها.
ومن جعل الأقراء الحيض واحتج في ذلك بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (أنه أمر الحائض أن تترك الصلاة أيام أقرائها) (¬1)، فليس بثابت، والثابت في هذا حديث عبد الله بن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره أن يطلق في طهر لم يمس فيه إن شاء.
وقال الشافعي: في حديث عبد الله بن عمر دليل على إباحة الثلاث في الطلاق في كلمة واحدة، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمر: "مره فليراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء طلق بعد، وإن شاء أمسك"، ولم يذكر عددا من الطلاق (¬2).
قال إسماعيل القاضي: يقال للشافعي: النبي - صلى الله عليه وسلم - ينكر على عبد الله بن عمر الطلاق، وإنما أنكره عليه موقع الطلاق، فعلمه موضعه، وكيف يوقعه، ولم يرد PageV01P379
أن يعرفه عدد الطلاق، إذ كان ابن عمر قد أصاب فيه، ولا أحسب الشافعي يكون أعلم بهذا من عمر ومن ابن عمر، وقد قالا جميعا: (من طلق ثلاثا فقد عصى الله) (¬1)، ولو كان من السنة إباحة طلاق الثلاث في كلمة كما قال الشافعي لبطلت الفائدة في قوله تبارك وتعالى: {لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} [الطلاق: 1]، قال أهل التفسير: يعني به الرجعة في العدة، وأي رجعة تكون بعد الثلاث؟ , إلا أن تنكح زوجا غيره (¬2).
وقال غيره: معنى قول النبي - عليه السلام - لعمر: "مره فليراجعها" أن المراجعة تكون بعد طلاق يعد على الزوج، وإن كان قد أوقع طلاقه في غير موضعه، فدل هذا على أن الطلاق يقع بسنته وبغير سنته، وأن المراجعة إنما هي للوطء، وقد نهي الرجل أن يطلق في طهر قد وطء فيه، من أجل أن المطلقة حينئذ لا تدري بما تبتدئ به عدتها، إن كان بالأقراء، أو بوضع حمل، ثم قال أيضا: (ثم تحيض)، فلم يبح له أن يطلق في الحيض الذي وقع بعد الطهر الذي راجعها فيه ووقع فيه الوطء، حتى تطهر من ذلك الحيض، ثم إن شاء بعد أمسك، وإن شاء طلق، فيقع طلاقه الآن في طهر لم يمسها فيه.
قال عيسى: ولو أنه حين ارتجعها وهي حائض أمسكها حتى تطهر من تلك الحيضة ثم طلقها ولم ينتظر أن تحيض ثم تطهر، فقد أخطأ السنة، ويمضي عليه الطلاق، ولا يؤمر بالإرتجاع.
قال: ومن طلق امرأته البتة وهي حائض لم يؤمر برجعتها، وقد حرمت عليه، إلا بعد زوج، وقد أثم إذا أبتها في الحيض، ولم تعتد بتلك الحيضة في عدتها، وإنما تستقبل العدة بعد طهرها من تلك الحيضة التي وقع فيها الطلاق.
* وقالت عائشة -رحمها الله-: (الأقراء هي الأطهار) [2140]، قال أبو المطرف: لما كانت المرأة مؤتمنة على الحيض والحمل لقول الله تبارك وتعالى: PageV01P380
{ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن} [البقرة: 228]، كان القول قولها فيما ادعته من الحيض والحمل، إلا أن تدعي من ذلك مالا يعرف، فإذا طلقها زوجها فادعت الحمل صدقت فيه، ما لم يأت دون ذلك من الزمان الذي يوشك فيه أنه ليس من الذي طلقها، وقدر ذلك خمسة أعوام، فلا ينفيه الزوج حينئذ عن نفسه إلا باللعان، فإذا جاوز ذلك خمس سنين لم يلزم الزوج قول المرأة: إن هذا الحمل.